سيد محمد طنطاوي
387
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فقوله : * ( بِالْوادِ ) * علم بالغلبة للمكان الذي كانوا يسكنون فيه ، ويسمى بوادي القرى ، وقد قال - تعالى - في شأنهم : وتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ . والمراد بفرعون هنا : هو وقومه . والمراد بالأوتاد : الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه ويقوونه ، كما تشد الخيام وتقوى بالأوتاد . قال الآلوسي : وصف فرعون بذلك لكثرة جنوده وخيامهم ، التي يضربون أوتادها في منازلهم ، أو لأنه كان يدق لمن يريد تعذيبه أربعة أوتاد ، ويشده بها . . « 1 » . وقال بعض العلماء : ووصف فرعون بذي الأوتاد ، لأن مملكته كانت تحتوى على الأهرامات ، التي بناها أسلافه ، لأن صورة الهرم على الأرض تشبه الوتد المدقوق ، ويجوز أن يكون المراد بالأوتاد : التمكن والثبات على سبيل الاستعارة ، أي : ذي القوة . . « 2 » . وقال صاحب الظلال : * ( وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتادِ ) * وهي على الأرجح الأهرامات ، التي تشبه الأوتاد الثابتة في الأرض المتينة البنيان ، وفرعون المشار إليه هنا ، هو فرعون الطاغية الجبار ، الذي أرسل اللَّه - تعالى - إليه موسى - عليه السلام - . . « 3 » . والمعنى : لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وعلم معك كل من هو أهل للخطاب ، ما فعله ربك بقبيلة عاد ، التي جدها إرم بن سام بن نوح ، والتي كانت صاحبة أعمدة عظيمة ترفع عليها بيوتها ، والتي لم يخلق في بلادها مثلها في القوة والغنى . وعلمت - أيضا - ما فعله ربك بقوم ثمود ، الذين قطعوا صخر الجبال ، واتخذوا منها بيوتا بوادي قراهم ، التي ما زالت معروفة . وعلمت - كذلك - ما فعلناه بفرعون صاحب المباني القوية الفخمة وصاحب الجنود والعساكر الذين يشدون ملكه . و * ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ) * فأفسدوها ، وتجاوزوا كل حد في العصيان والظلم . * ( فَأَكْثَرُوا فِيهَا ) * أي : في البلاد * ( الْفَسادَ ) * عن طريق الفسوق والخروج عن طاعتنا . * ( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ) * أي : فكانت نتيجة طغيانهم وفسادهم ، أن أنزل ربك عليهم ، نوعا عظيما من العذاب المهين .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 124 . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج 30 ص 321 للشيخ ابن عاشور . ( 3 ) تفسير في ظلال القرآن ج 30 ص 571 .